كتب.. راضي نادي
حذّرت مؤسسة ماعت للسلام والتنمية وحقوق الإنسان من استمرار تدفق الدعم العسكري والمالي واللوجستي إلى أطراف النزاع في السودان، مؤكدة أن الشبكات العابرة للحدود وضعف آليات المساءلة يسهمان في إطالة أمد الحرب وتفاقم المعاناة الإنسانية، ويقوضان فرص التوصل إلى سلام مستدام.
جاء ذلك خلال فعالية جانبية نظمتها مؤسسة ماعت بالتعاون مع المركز الأفريقي للديمقراطية ودراسات حقوق الإنسان وشبكة الهيئات المستقلة لحقوق الإنسان في شمال أفريقيا، بفندق بولمان بالعاصمة السنغالية داكار، على هامش الدورة العادية الـ89 للجنة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب، بمشاركة خبراء حقوقيين وممثلين عن آليات حقوق الإنسان الأفريقية والأممية.
وناقشت الفعالية التداعيات الإنسانية والحقوقية للنزاع السوداني، وشبكات التمويل والدعم الخارجي، وتصاعد العنف الجنسي والعنف القائم على النوع الاجتماعي، إلى جانب التحديات التي تواجه بعثات تقصي الحقائق في توثيق الانتهاكات وجمع الأدلة، ودور الدول الإقليمية والآليات الأفريقية في حماية المدنيين وتعزيز المساءلة.
وفي مداخلته، تناول أيمن عقيل، الخبير الحقوقي الدولي ورئيس مؤسسة ماعت، التدخلات الخارجية المرتبطة بالنزاع السوداني، مشيرًا إلى تعدد صور الدعم المحتمل لأطراف الصراع، بما يشمل التمويل المادي واللوجستي، وتوفير الأسلحة والذخائر والمنظومات العسكرية، وتجنيد المقاتلين الأجانب وتدريبهم، فضلًا عن شبكات تهريب الموارد الطبيعية، وفي مقدمتها الذهب السوداني.
وأشار عقيل إلى تقارير وادعاءات بشأن أدوار محتملة لجهات وشبكات عابرة للحدود في دعم استمرار الحرب، مع الإشارة إلى دول من بينها الإمارات وتشاد وإثيوبيا وجنوب السودان وكينيا، مشددًا على ضرورة إجراء تحقيقات مستقلة في هذه الادعاءات، وتحديد المسؤوليات استنادًا إلى أدلة موثوقة، وضمان عدم استخدام الأراضي أو الموارد أو الشبكات المالية العابرة للحدود في تأجيج النزاع.
وأكد أن معالجة الأزمة السودانية لا ينبغي أن تقتصر على وقف العمليات العسكرية، بل يجب أن تشمل تجفيف مصادر تمويل الحرب، ووقف تدفق الأسلحة والإمدادات التي تسهم في استمرارها، وتعزيز الرقابة على مسارات الأموال والموارد المرتبطة بأطراف النزاع.
وأضاف أن المجتمع المدني السوداني والأفريقي يمتلك استعدادًا للمشاركة في جهود السلام وبناء الثقة، إلا أن استمرار تدفقات الدعم التي تغذي المواجهات المسلحة يضعف فرص الحلول السياسية والمدنية، ويزيد من تكلفة الحرب على السكان.
من جانبها، قدمت جوي إيزيلو، عضو لجنة تقصي الحقائق الأممية المعنية بحقوق الإنسان في السودان، عرضًا حول المهام الأساسية للبعثة، موضحة أن عملها يرتكز على جمع الأدلة وتحديد الوقائع المتعلقة بالانتهاكات، والمساهمة في تحديد المسؤولية عنها، ودعم الجهود الرامية إلى حماية المدنيين.
وأكدت إيزيلو أن حماية السكان المتضررين يجب أن تظل أولوية مركزية في التعامل مع النزاع، مشيرة إلى ارتباط استمرار الحرب بمصالح ومكاسب تسعى بعض الأطراف إلى الحفاظ عليها، وهو ما يجعل معالجة دوافع استمرارها ضرورة موازية للجهود الإنسانية والحقوقية.
واستعرضت سحر أحمد الحاج، الأمين العام لمنظمة «سلامة» السودانية، التدهور الحاد في أوضاع حقوق الإنسان داخل السودان، مشيرة إلى الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية والخدمات الأساسية، وما نتج عنها من صعوبات في الوصول إلى الرعاية الصحية والتعليم وخدمات الصحة الإنجابية والحماية الاجتماعية.
كما سلطت الضوء على التقارير المتعلقة بالقتل والتعذيب والاحتجاز القسري وغيرها من الانتهاكات التي يتعرض لها المدنيون، إلى جانب الهجمات ذات الطابع العرقي وحالات النزوح القسري المرتبطة بتصاعد أعمال العنف.
بدورها، استعرضت جاكي بليس، مسؤولة المشروعات في المبادرة الاستراتيجية للمرأة في القرن الأفريقي، أبرز مخرجات أنشطة وتقارير شبكة «صيحة» بشأن أوضاع النساء والفتيات في السودان، مؤكدة أن العنف الجنسي والعنف القائم على النوع الاجتماعي يمثلان أحد أخطر أبعاد الأزمة الإنسانية والحقوقية.
وأشارت إلى ما وثقته الشبكة من إفادات وتقارير بشأن الاغتصاب، بما في ذلك الاغتصاب الجماعي، والانتهاكات التي تستهدف النساء والفتيات، والحرمان من الحقوق والخدمات الإنجابية، في ظل انهيار منظومات الحماية وصعوبة الوصول إلى الخدمات الصحية والدعم المتخصص.
وفيما يتعلق بجهود التوثيق والمساءلة، استعرض باسكال توريه، الشريك المؤسس لمنظمة «رؤية الشباب» الغامبية، أبرز التحديات التي تواجه بعثة تقصي الحقائق الأفريقية المعنية بالسودان، مشيرًا إلى صعوبات العمل من خارج البلاد، ومحدودية الوصول إلى المناطق المتضررة، والقيود المالية واللوجستية التي تؤثر في قدرة البعثة على تغطية النطاق الجغرافي الواسع للانتهاكات.
وأوضح أن التحديات تشمل أيضًا صعوبة التواصل مع أطراف النزاع والحصول على ردود بشأن مزاعم الانتهاكات، فضلًا عن صعوبة الوصول إلى اللاجئين في دول الجوار، ولا سيما تشاد وإثيوبيا وجنوب السودان.
وشدد على أهمية تعزيز التعاون بين بعثة تقصي الحقائق ومنظمات المجتمع المدني، للاستفادة من خبراتها الميدانية وشبكاتها المحلية في جمع المعلومات والتحقق منها وتحليلها وتوثيق الانتهاكات، مع مراعاة سلامة الشهود والضحايا وحماية البيانات الحساسة.
من جانبه، أكد صادق نياس، عضو المركز الأفريقي للديمقراطية ودراسات حقوق الإنسان وعضو اللجنة التوجيهية لمنتدى المنظمات غير الحكومية، أهمية تفعيل مسؤولية الحكومات الأفريقية والآليات الإقليمية في التعامل مع الانتهاكات المرتبطة بالنزاع السوداني، وتعزيز التنسيق بين اللجنة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب وبعثات تقصي الحقائق والوكالات الإنسانية ومنظمات المجتمع المدني.
وأوضح أن الاستجابة الفعالة يجب أن تتجاوز رصد الانتهاكات إلى بناء مسارات عملية للمساءلة وملاحقة المسؤولين عنها وفقًا للقانون، وتوفير الحماية للمدنيين، والعمل على فتح ممرات إنسانية آمنة ومستدامة تضمن وصول الغذاء والدواء والمياه والوقود إلى السكان المتضررين دون عوائق.
من جانبها، أشارت إيمان فهيم، مديرة وحدة الشؤون الأفريقية والتنمية المستدامة بمؤسسة ماعت، إلى أن المدنيين في السودان يواجهون بيئة حقوقية شديدة التعقيد، تتداخل فيها الآثار السلبية لاستمرار العمليات العسكرية التي تستهدف المدنيين من مختلف أطياف المجتمع مع نشاط شبكات إقليمية تضم أفرادًا وكيانات ودولًا يُشتبه في استفادتها من استمرار الحرب.
وأكدت أن هذا الواقع يضع الأزمة السودانية ضمن أولويات المجتمع المدني الأفريقي، ويستدعي تكثيف الجهود الرامية إلى حماية المدنيين، ومواجهة مصادر الدعم التي تسهم في استمرار النزاع، وتعزيز آليات التوثيق والمساءلة.
واختُتمت الفعالية بالتأكيد على أن تحقيق سلام مستدام في السودان يتطلب حماية حقوق المدنيين، وضمان وصول المساعدات الإنسانية، وتعزيز التعاون بين الآليات الأفريقية والأممية، وترسيخ مبدأ المساءلة بوصفه ركيزة أساسية لمنع تكرار الانتهاكات وبناء مستقبل أكثر أمنًا واستقرارًا للشعب السوداني.

تعليقات
إرسال تعليق